expr:class='

اللغز القطري بقلم الكاتب البريطاني المختص في شؤون الشرق الأوسط


 من بين الفاعلين كافة في الربيع العربي، كانت قطر الدولة الأكثر فاعلية وربما الأكثر إثارة للاهتمام. فهذه الدولة الصغيرة المؤلفة من صحراء قاحلة والواقعة على الجانب الشرقي من المملكة العربية السعودية تمتد كإصبع باتجاه الشاطئ الإيراني على الجانب المقابل من الخليج. ويقوم الإنجاز الذي حقّقته قطر الواقعة بين عملاقين إقليميين والتي تقيم مع كلّ واحد منهما علاقات متوترة، على إنشاء دور مستقل وطموح لنفسها.

كيف أصبحت هذه الدولة الصغيرة جداً محركاً ومؤثراً على مستوى العالم؟ ما الذي تسعى إلى تحقيقه؟ يطرح كلّ شخص يزور الدوحة، عاصمة قطر الرائعة المطلة على البحر، هذه الأسئلة على نفسه لا سيّما أنّ التباين كبير جداً بين طموحات البلد العالمية وموارده البشرية المحدودة. وتقتصر بعثاتها الخارجية الفاعلة على عدد من الجبهات في أنحاء العالم على حوالى 250 ديبلوماسياً. كما يبلغ عدد شعبها الأصلي 200 ألف نسمة. ويحظى هذا الشعب الصغير المحظوظ الذي يصل معدل الدخل السنوي للفرد الواحد فيه إلى أكثر من مئة ألف دولار وهو الأعلى في العالم بخدمة وتدليل ودعم من مهاجرين عرب وآسيويين يقدّر عددهم بمليون و700 ألف نسمة.

وعلى مدى نحو عقدين، حظيت قطر بسمعة حسنة في ميدان الوساطة في النزاعات المعقّدة والمتعبة أحياناً. كما حاولت ونجحت في تهدئة النفوس وفي إرساء اتفاقات بين الأفرقاء المتخاصمين. ومن بين المساعي الكثيرة التي قامت بها خدمة لقضية السلام، عملت قطر على حلّ النزاع بين إريتريا واليمن عام 1996 وبين إريتريا والسودان بعد سنوات عدة وبين اليمن والمتمردين الحوثيين عام 2007 وبين الأحزاب اللبنانية المتخاصمة عام 2008، الأمر الذي وضع حداً لأزمة دامت 17 شهراً وحال دون عودة الحرب الأهلية وبين السودان والتشاد عام 2009 وبين إريتريا وجيبوتي عام 2010 وبين الفصائل الفلسطينية المتخاصمة في بداية شهر شباط (فبراير) 2012.

وفي السنة الماضية، برز تغيير كبير في الديبلوماسية القطرية فتحوّلت من وسيط حيادي يشيد به الأطراف كافة إلى دولة أصبحت طرفاً في النزاعات في الشرق الأوسط. فقد أدت مثلاً دوراً أساسياً في إطاحة الديكتاتور الليبي معمّر القذافي وأرسلت مئات من قواتها المدججة بالسلاح إلى ساحة الحرب الأهلية وقدّمت 400 مليون دولار لمساعدة الثوّار. وفي سورية، قادت قطر الهجوم على الرئيس بشّار الأسد فمارست الضغوط من أجل إدانته ومقاطعته في جامعة الدول العربية إلى جانب تسليح المعارضة وتمويلها.

كما كانت قطر داعماً أساسياً لـ «لإخوان المسلمين» حين وصلوا أخيراً إلى السلطة في أنحاء العالم العربي. وفاجأ ذلك الغرب لا سيّما الولايات المتحدّة. فبعد أن أمضت واشنطن السنوات الخمس عشرة الماضية تحارب الإسلاميين، يبدو أنها مرغمة الآن على التوصل إلى اتفاق أو على مصادقة هؤلاء الفاعلين السياسيين الجدد سواء في مصر أو تونس أو سورية أو المغرب أو في أي مكان آخر. وعلى خلاف الوساطات التي قامت بها قطر في البداية، ساهم هذا الانتقال إلى السياسات الناشطة في توليد أعداء وأصدقاء على حدّ سواء. ومن بين التناقضات التي أبرزتها قطر، احتضانها التقدّم والحداثة بأذرع مفتوحة إلى جانب الترويج للحركات الإسلامية المتشدّدة من خلال تخصيص وقت طويل على قناة «الجزيرة» للداعية يوسف القرضاوي.

وتستخدم قطر خلال شنّ معاركها، نقاط قوتها المتعدّدة ومن بينها الحيوية والجرأة التي تميّز قيادتها. ويستحق أربعة أعضاء في طبقتها الحاكمة عناء التوقّف عندهم. فقد أطاح الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (60 عاماً) الذي تخرّج في أكاديمية «ساندهرست» العسكرية البريطانية عندما كان وزيراً للدفاع، والده في انقلاب عام 1995 ووضع البلد على طريق التنمية. أما يد الأمير اليمنى فهي نسيبه الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني (53 عاماً) الذي تولى وزارة الخارجية منذ عام 1992 وأصبح رئيساً للوزراء منذ عام 2007. وقد حظي بسمعة حسنة كديبلوماسي دولي ومصرفي متميّز، فهو يملك أسهماً في شركة الخطوط الجوية القطرية وفي متجر «هارودز» في لندن وفي عشرات المؤسسات العقارية والتجارية والصناعية. كما أنه يملك يخت «المرقب» الذي تبلغ مساحته 133 متراً والذي يقال إنه ثامن أكبر يخت في العالم ويقدّر ثمنه ببليون دولار. ويبالغ بعض المصادر قليلاً بتقدير ثروته الشخصية بـ35 بليون دولار.

أما الشخصية الأساسية الأخرى فهي زوجة الأمير الثانية الشيخة موزة المعروفة بأناقتها وطاقتها وثقافتها. فهي تترأس مؤسسة قطر للتربية والعلوم والتنمية. ويعدّ أحد أولادها الخمسة ولي العهد الأمير تميم بن حمد شاباً ذكياً ويحظى بشعبية كبيرة كما أنه يتقن اللغة الفرنسية وهو في العقد الثالث من العمر. وساهمت مؤسسة الشيخة موزة في جلب عدد كبير من الجامعات الخارجية إلى المدينة التعليمية في قطر ورعت عدداً من برامج التدريب والقيادة إلى جانب برنامج «مناظرات الدوحة» الحية على قناة «الجزيرة» التي تعدّ الذراع الإعلامي اللامع لقطر وعاملاً قوياً في نفوذها.

وكل ذلك لم يكن يجدي نفعاً لولا المداخيل القطرية التي تأتي من تصدير النفط والغاز الطبيعي المسال. وسيسمح احتياطها من النفط الذي يبلغ 25 بليون برميل بالحفاظ على مدخولها عند المستويات الحالية على مدى السنوات الـ57 المقبلة فيما تملك قطر ثالث أكبر احتياطي من الغاز في العالم. ويشكّل الغاز 85 في المئة من عائدات صادراتها و70 في المئة من الدخل الحكومي.

وتتميّز قطر بقدرتها على اكتساب مجموعة واسعة من الأصدقاء من دون أن تعتمد على أي منهم. ومنذ انقلاب عام 1995، أرسى الأمير علاقات وثيقة مع فرنسا التي تمدّها قطر بـ80 في المئة من المعدّات العسكرية. وقد اشترى أحد أهمّ نوادي كرة القدم «باري سان جرمان» تمهيداً لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 إلى جانب حيازة مجموعة من الممتلكات القيمة في أنحاء العاصمة الفرنسية. وتمّ إجراء استثمارات جدية في مؤسسات فرنسية أساسية مثل «فيوليا» و «لاغاردير». وتقيم قطر علاقات وثيقة مع بريطانيا، القوة الاستعمارية السابقة في الخليج التي انسحبت عام 1971 كما لها روابط عسكرية وصناعية مع الولايات المتحدّة.

وتعدّ قاعدة «العديد» الجوية في قطر مقرّاً متقدماً للقيادة المركزية الأميركية التي تتولى مسؤوليات كثيرة تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى. وتمّ استخدام قوات هذه القيادة في أدوار قتالية في أفغانستان وفي قواعد أصغر في الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدّة وسلطنة عمان. ولا شكّ في أنّ وجود القيادة المركزية يوفر لقطر الحماية إلا أنها تواجه خطر جذب العداء في حال سمحت لنفسها بأن تنجر مثلاً إلى النزاع القائم حالياً بين الولايات المتحدّة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وقد توجّه الحرب الإقليمية ضربة قاضية لازدهار قطر وتنميتها.

باتت قطر لاعباً مهماً على الساحة الدولية. ومن الواضح أنّ هذا هو الهدف الذي سعى زعماؤها إلى تحقيقه. إلا أنّ هذه الدولة الصغيرة تقع في منطقة مضطربة، الأمر الذي يتطلّب منها أخذ الحيطة والحذر على الدوام. ويأمل كثيرون لو أن دورها ظل مقتصراً على صنع السلام.




ليست هناك تعليقات: